تحقيق: دينا نصر
لم يعد الذهاب إلى الجيم مجرد نشاط صحي.. بل أصبح طقسًا يوميًا يعبر عن الهوية والتواصل الاجتماعي
في السنوات الأخيرة، لوحظ انتشار واضح لهوس الجيم والاهتمام باللياقة البدنية بين جيل Z. لم يعد الذهاب إلى الجيم مجرد نشاط صحي أو وسيلة لفقدان الوزن، بل أصبح جزءًا من أسلوب الحياة اليومي، وطريقة للتعبير عن الذات، ومساحة للتواصل الاجتماعي، وأحيانًا منصة لنشر الإنجازات الرياضية أمام المتابعين. هذا الجيل، الذي تربى على ثقافة الصورة والمشاركة المستمرة، وجد في صالات الجيم متنفسًا يجمع بين تحسين الجسد والمزاج وبناء مجتمع افتراضي حول تمارين السكوات والبنش برس.
المظهر الخارجي والثقة بالنفس: لماذا يهتم جيل Z بعضلاته؟
يهتم جيل Z بشكل كبير بالمظهر الخارجي، لكن ليس فقط من باب الشكل الجمالي التقليدي، بل أيضًا من ناحية الثقة بالنفس وتحسين الحالة النفسية. فممارسة تمارين مثل رفع الأثقال أو الكارديو (التمارين الهوائية) أصبحت وسيلة فعالة لتفريغ الطاقة والضغط النفسي، خاصة مع نمط الحياة السريع والضغط اليومي الناتج عن الدراسة والعمل ووسائل التواصل.
تقارير الجمعية الأمريكية لعلم النفس تشير إلى أن ممارسة الرياضة بانتظام تقلل من أعراض القلق والاكتئاب بنسبة تصل إلى 30%، وأن الشباب الذين يمارسون تمارين المقاومة مرتين أسبوعيًا على الأقل يتحسن لديهم احترام الذات بشكل ملحوظ. هذه الأرقام تجعل من الجيم استثمارًا في الصحة النفسية بقدر ما هو استثمار في المظهر الجسدي.

وسائل التواصل: تحفيز رقمي وتجارب تتحول إلى محتوى
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهما في تعزيز هذا الاتجاه. تنتشر فيديوهات التحفيز والـ “Transformation” (تحولات الجسد قبل وبعد) على منصات مثل تيك توك وإنستجرام، مما يشجع الشباب على الالتزام بالرياضة ومشاركة نتائجهم مع الآخرين. كثير من هؤلاء المؤثرين ليسوا رياضيين محترفين، بل شبابًا عاديين بدأوا رحلتهم من الصفر ونشروا تفاصيلها، فتحولوا إلى قدوة لأقرانهم.
وبذلك يتحول الجيم من نشاط فردي (يدخل الشخص ويتمرن بمفرده) إلى تجربة اجتماعية ممتدة: يتشارك الشباب نصائح التمرين، يصورون تمارينهم، يتفاعلون مع التعليقات، ويرتبون لقاءات للتمرين مع أصدقائهم. في بعض الحالات، أصبح “التحقق من الجيم” (أي حضور حصة أسبوعية بانتظام) مقياسًا للانضباط والنضج في نظر بعض أفراد هذا الجيل.

التغذية الصحية: الرفيق الأساسي لهوس الجيم
من ناحية أخرى، أصبح الاهتمام بالتغذية الصحية جزءًا مكملاً لهوس الجيم. يميل جيل Z إلى متابعة أنظمة غذائية متوازنة، وأحيانًا تجربة أنماط جديدة تتماشى مع أهدافهم البدنية، مثل زيادة البروتين النباتي، تقليل السكريات المصنعة، أو تجربة الصيام المتقطع. كما أن تطبيقات الهاتف لحساب السعرات وتحليل الماكروز (البروتينات والكربوهيدرات والدهون) أصبحت شائعة جدًا بين الشباب الرياضي.
يقول خالد محمود (23 سنة)، لاعب كمال أجسام هاوٍ: “أنا بستخدم تطبيق لحساب احتياجي اليومي من البروتين، وبصور الأكل اللي باكله في اليوم عشان أتأكد إني جايبه صح. زمان كنت باكل أي حاجة، دلوقتي بقيت أعرف قيمة كل جرعة دقيق وبقول لا للكوكيز حتى لو موجود.” هذا الوعي الغذائي لم يكن شائعًا بنفس الدرجة في الأجيال السابقة، مما يعكس تحولًا ثقافيًا حقيقيًا.
شهادات شباب: بين الضغط الاجتماعي والمتعة الحقيقية
نستمع إلى بعض الشباب المصريين من جيل Z لنتعرف على دوافعهم وعلاقتهم بالجيم:
أحمد سامي (21 سنة): “بدأت الجيم من سنة ونص، كنت خجول وبدون ثقة في نفسي. اليوم، حتى لو مش شايف تغيير جذري في جسمي، بقيت سعيد وأنا خارج الجيم. شعور الإنجاز بعد التمرين، والإحساس إن عضلاتي تعبت، ده كفيل يخليني مبسوط بقية اليوم. الجيم بالنسبلي بقى زي الدواء.”
نور حاتم (20 سنة): “أنا بحب أتابع فيديوهات فيتنس على التيك توك، خاصة بنات في سني. بتحمسني. وبرضه بحط قصص في الاستوري وانا في الجيم، عشان أصحابي يشوفوا إني ملتزمة. الموضوع بقى جزء من هويتي، إن أنا ‘البت الرياضية’ في الصحاب. كمان بقيت أختار أكلات معينة لما أخرج عشان تناسب الدايت اللي ماشية عليه.”
يوسف إبراهيم (22 سنة): “الجيم بالنسبلي هو المكان الوحيد اللي بخرج فيه الضغط. الدراسة والضغط من الأهل والشغل الجانبي.. كل حاجة بتتراكم. لما أروح الجيم وأنزل الوزن، حرفيًا بكون بهدأ وبنسى المشاكل. مش مهتم أوي بالشكل، بس شعور الراحة النفسية هو اللي مخليني مستمر.”
مريم أشرف (19 سنة): “أنا حاسة إن في نوع من المقارنة بقى زايد شوية. كل ما تفتح انستجرام تلاقي ناس بتحط صور لعضلاتها وكأنه إنجاز عظيم. الصراحة أنا روحت الجيم فترة لكن وقفت، حسيت إني مش عارفة ألحق بكل الترندات دي. في ناس كتير بتروح الجيم عشان التصوير مش عشان الصحة، وده بيضايق.”

أرقام وظواهر حول العالم: سوق اللياقة ينمو بسرعة الشباب
تشير إحصاءات عالمية إلى أن جيل Z يقود طفرة في قطاع اللياقة البدنية. بحسب تقرير لشركة “مايند بادي” العالمية، 60% من أفراد جيل Z يمارسون الرياضة ثلاث مرات أسبوعيًا على الأقل، وهي نسبة أعلى من جيل الألفية حين كانوا في نفس العمر. كما أن 40% منهم يستخدمون تطبيقات رياضية، و25% يتابعون مؤثرين لياقة بدنية عبر وسائل التواصل.
في مصر، ارتفع عدد الاشتراكات في صالات الجيم بنسبة 35% بين عامي 2022 و2025، مع ملاحظة أن الغالبية العظمى من المشتركين الجدد هم من الفئة العمرية 18-25 سنة. كما ظهرت صالات جيم مخصصة للنساء فقط، وأخرى تقدم دروسًا جماعية بأسعار مخفضة لجذب الشباب. وفي الإسكندرية والقاهرة، انتشرت “جيمات الجيل Z” التي تصمم بطريقة عصرية مع إضاءات مناسبة للتصوير، وخدمات توصيل وجبات صحية داخل الصالة.
الوعي الصحي الحقيقي مقابل “الترند” السطحي
من ناحية، ما يحدث يعكس وعيًا صحيًا متزايدًا: الإقلاع عن التدخين، تحسين جودة النوم، الاهتمام بصحة القلب والعضلات، كلها مكاسب حقيقية. من ناحية أخرى، هناك انتقادات حول تحول الجيم إلى “ترند” سطحي. بعض الشباب يذهبون للتصوير فقط، أو يأخذون هرمونات أو مكملات دون استشارة طبية، أو يصابون باضطراب صورة الجسد (Body Dysmorphia) حين لا يصلون إلى الشكل المثالي الذي يرونه على وسائل التواصل.
الدكتورة ميادة عادل، أخصائية نفسية إكلينيكية، توضح: “هوس الجيم يمكن أن يكون صحيًا إذا كان مصحوبًا بتوازن وعقلية سليمة. لكن عندما يتحول إلى إكراه (يجب أن أذهب حتى لو كنت مرهقًا)، أو وسيلة وحيدة للحصول على تقدير الذات، أو سببًا لمقارنة قاسية مع الآخرين، فإنه قد يؤدي إلى مشاكل نفسية. أرى أحيانًا شبابًا يصابون بالاكتئاب لأن عضلاتهم لا تنمو بالسرعة التي تظهر في فيديوهات المؤثرين، متناسين أن هذه الفيديوهات منتشرة بشكل انتقائي.”
وتضيف: “أيضًا، الاستخدام المفرط لمكملات البروتين دون حاجة حقيقية قد يتعب الكلى، والمنشطات غير المشروعة (الهرمونات) قد تسبب ضررًا دائمًا للجهاز الهرموني. الهوس يحتاج إلى إدارة واعية.”
نصيحة للشباب: اجعل الرياضة أسلوب حياة متوازن، لا هوس مدمر
إذا كنت من جيل Z وترغب في الاستفادة من هذا الاتجاه دون أضراره:
حدد أهدافًا واقعية: لا تتوقع أن تصبح مثل لاعب كمال أجسام محترف في أشهر قليلة.
لا تقارن نفسك بالمؤثرين: كثير منهم يستخدمون إضاءة احترافية، فلترة، وزوايا تصوير مخادعة.
اهتم بالراحة والنوم بقدر اهتمامك بالتمرين: العضلات تنمو أثناء الراحة، وليس أثناء التمرين فقط.
لا تتجاهل الألم غير الطبيعي: إذا شعرت بألم حاد في مفصل أو ظهر، استشر طبيبًا قبل أن تتفاقم الإصابة.
تنويع الأنشطة: ليس ضروريًا أن تكون لاعب حديد فقط، جرب السباحة، الجري، اليوجا، أو الرياضات الجماعية.
تذكر أن الهدف الأساسي هو الصحة والعافية، وليس المنشورات أو الإعجابات.

