تحقيق: روان عبدالرؤوف
في السنوات الأخيرة، خرج مصطلح “التداول” من نطاقه المتخصص في أسواق المال إلى فضاء واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يُقدَّم للشباب باعتباره طريقًا سريعًا نحو الربح وتحقيق الاستقلال المالي. وبينما يظل التداول نشاطًا استثماريًا مشروعًا إذا تم عبر منصات مرخصة وخاضعة للرقابة، فإن انتشار كيانات غير موثوقة أعاد تشكيل الصورة، مع وعود بأرباح يومية ثابتة وعوائد مرتفعة لا تتناسب مع طبيعة الأسواق المالية.
ورغم التحذيرات المتكررة من الجهات الرسمية، وفي مقدمتها البنك المركزي المصري، بشأن التعامل مع العملات الافتراضية أو المنصات غير المرخصة، فإن هذه العروض لا تزال تجد طريقها إلى فئة واسعة من الشباب عبر الإعلانات الممولة وروابط التواصل الاجتماعي.
هذا التحقيق يرصد مجموعة من التجارب لشباب مصريين خاضوا تلك الرحلة، والتي بدأت غالبًا بوعد بالربح وانتهت بخسائر مالية كبيرة.
أحمد (23 عامًا)، طالب بكلية التجارة، بدأت تجربته مع منصة تعدين إلكتروني ظهرت له عبر إعلان ممول على مواقع التواصل. دخل بمبلغ 1500 جنيه كتجربة، وبعد أيام ظهرت أرباح بسيطة داخل الحساب وتمكن من سحب جزء منها، ما منحه شعورًا بالثقة. مع الوقت شجع أصدقاءه على الدخول، ورفع استثماره إلى 18 ألف جنيه من مدخراته. عند محاولة سحب أرباح أكبر، طُلب منه دفع رسوم إضافية تحت مسمى “ترقية الحساب”. بعد سداد 5 آلاف جنيه، توقفت المنصة عن العمل واختفى كل شيء. يقول: “كنت شايف الأرباح قدامي على الشاشة، لكن مفيش حاجة وصلت لحسابي الحقيقي.”

الخسارة: نحو 23 ألف جنيه.
محمود (27 عامًا)، موظف بالقطاع الخاص، دخل منصة استثمارية بناءً على ترشيح أحد المعارف، كانت تروج لعائد يومي مقابل تنفيذ مهام بسيطة. بدأ بمبلغ 3000 جنيه، وخلال أيام تضاعف رصيده داخل التطبيق، وتمكن من سحب جزء من الأرباح. دفعه ذلك إلى استثمار 40 ألف جنيه جمعها من جمعية مالية. بعد فترة قصيرة تلقى إشعارًا بوجود “خلل تقني” مع طلب مبلغ إضافي لتفعيل السحب. وعندما رفض، تم تجميد الحساب بالكامل ثم اختفى التطبيق. يقول: “لما دخلت فلوس أكتر، كل حاجة اتقفلت فجأة.”
الخسارة: 40 ألف جنيه.
كريم (24 عامًا)، كان يدخر للسفر، تعرّف عبر “تليغرام” على وسيط غير مرخص في العملات الرقمية. بدأ الوسيط بإرسال تقارير أرباح يومية وإيحاء بأن السوق مستقر ومضمون. بدأ كريم بـ 5 آلاف جنيه، ثم ارتفع المبلغ تدريجيًا حتى وصل إلى 60 ألف جنيه. لاحقًا أُبلِغ بأن السوق انهار وأن رأس المال خسر بالكامل، ثم اكتشف أن المنصة كانت واجهة وهمية بأرقام مزيفة. يقول: “كنت فاكر نفسي داخل سوق حقيقي… طلع كله شاشة وهمية.”
الخسارة: 60 ألف جنيه.
يوسف (26 عامًا)، انجذب إلى فكرة “التداول بالذكاء الاصطناعي” عبر شركة أجنبية غير مرخصة، ووعدته بعائد شهري ثابت. بدأ بـ 10 آلاف جنيه، وظهرت أرباح في البداية بشكل منتظم، ثم طُلب منه التوسع مقابل عمولات إضافية. اقترض 70 ألف جنيه من أحد أقاربه لزيادة الاستثمار. بعد فترة، أُبلغ بأن المنصة في “تحديث تقني مؤقت” وتوقف كل شيء بعدها. يقول: “الموضوع مش بس فلوس… ده دخلني في دين وضغط كبير.”
الخسارة: 80 ألف جنيه.
إسلام (22 عامًا)، تابع محتوى لمؤثرين يروجون لتجارب الفوركس، ثم تواصل مع حساب وسيط قاده إلى منصة غير مرخصة. استثمر 8 آلاف جنيه، وظهرت أرباح بنسبة 35% خلال أيام. عند طلب السحب، طُلب منه دفع رسوم “توثيق ضريبي” بقيمة 300 دولار. بعد الدفع، لم يتم تحويل أي أموال، ثم أُغلق الحساب. يقول: “كنت بشوف أرقام بتزيد… بس مكنش في فلوس حقيقية.”
الخسارة: نحو 18 ألف جنيه.
تكشف هذه النماذج عن نمط متكرر في حالات الاحتيال المرتبطة بالتداول غير المرخص، يبدأ بإعلانات جذابة أو وسطاء يوحون بالمصداقية، ثم أرباح أولية صغيرة تمنح الثقة، تليها طلبات مالية إضافية متصاعدة، قبل أن تنتهي التجربة عادة بإغلاق المنصات أو اختفائها.
وبين رغبة الشباب في تحقيق الربح السريع وضعف الخبرة الاستثمارية، تتحول هذه الوعود إلى خسائر مالية ونفسية كبيرة، ما يعيد التأكيد على أهمية التحقق من أي منصة استثمارية والتأكد من ترخيصها قبل التعامل معها.

