كتبت: كارين كرم
من الخصر النحيف في الخمسينيات إلى البوتوكس في الألفينات.. تطور الهوس بالجمال
انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة التجميل بشكل غير مسبوق. كل جيل كانت له معايير جمال معينة: في الخمسينيات كان الشائع الخصر النحيف جداً الذي يجعل الإنسان أشبه بالساعة الرملية. في الستينيات، كان الهوس مقتصرًا على مكياج العيون الثقيل وتحديد العيون ظنًا أن العيون الواسعة تعطي شكلاً جذابًا. أما في السبعينيات فكان الشعر الكثيف للرجال والنساء هو السائد، وكلما كان الشعر غير مرتب كلما سار مع موجة الموضة.
انتقالاً إلى الثمانينيات، كان هوس الموضة في الألوان غير الملائمة على بعضها وقصات القمصان والبناطيل غير المألوفة والغريبة. ثم التسعينيات التي ظهر هوسها في النحافة المفرطة للتشبه بالعود الفرنسي. نهايةً بالألفينيات التي في بدايتها انتشرت عمليات التجميل، وفي حاضرها شهدت انتشارًا واسعًا للإجراءات التجميلية غير الجراحية مثل الفيلر والبوتوكس.
لم تعد هذه الإجراءات مقتصرة على فئات عمرية كبيرة أو على المشاهير فقط، بل امتدت إلى الشباب في سن مبكرة. هذا الانتشار السريع يطرح تساؤلات كثيرة حول الأسباب والدوافع والمخاطر الصحية والنفسية المرتبطة بهذه الممارسات، كما يفتح الباب لنقاش أوسع حول مفهوم الجمال ومعنى الاهتمام بالنفس وحدود التدخل الطبي في الشكل الخارجي.

الفيلر والبوتوكس.. إجراءات سريعة ومغرية لكنها ليست بلا مخاطر
الفيلر والبوتوكس يعتبران من أكثر الإجراءات التجميلية شيوعًا. الفيلر يعتمد على حقن مواد معينة تحت الجلد بهدف ملء التجاعيد أو تكبير الشفاه أو تحسين ملامح الوجه. أما البوتوكس فيعمل على إضعاف حركة العضلات بشكل مؤقت لتقليل ظهور التجاعيد التعبيرية خصوصًا في الجبهة وحول العينين. هذه الإجراءات تتم في وقت قصير ولا تحتاج إلى جراحة، مما يجعلها مغرية للكثيرين، خاصة مع انتشار الإعلانات التي تروج لها على أنها آمنة وسهلة وسريعة.

الشعور بعدم الرضا عن الشكل.. مواقع التواصل تزرع معايير جمال غير حقيقية
من أهم الأسباب التي تدفع الشباب إلى اللجوء لهذه الإجراءات هو الشعور بعدم الرضا عن الشكل الخارجي. مواقع التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًا في تكريس معايير جمال مثالية يصعب تحقيقها في الواقع. الصور المعدلة والفلاتر تخلق نموذجًا غير حقيقي للجمال، مما يجعل كثيرين يقارنون أنفسهم بصور لا تعبر عن الحقيقة. هذا الشعور بالمقارنة المستمرة يولد ضغطًا نفسيًا ورغبة في التغيير بأي وسيلة متاحة.
يوضح محمود محمد (29 عامًا) أنه قام بإجراءات تجميلية مثل فيلر الأنف للتصغير، وبوتوكس الجبهة وحول الفم لإخفاء الخطوط التعبيرية التي تجعل مظهره أكبر في السن. وأكد على أنه لجأ لهذه الإجراءات بهدف تحسين مظهره، وأن المعظم أصبح يلجأ لنفس الحلول نساء ورجالًا، وحتى لو كان الإجراء غير تجميلي يكون علاجيًا مثل فرط تعرق الإبطين والكفين.
البعض يعتبرها اهتمامًا بالنفس وليس نقص ثقة.
هناك أيضًا من يرى أن الإجراءات التجميلية تدخل في إطار الاهتمام بالنفس وليس بالضرورة تعبيرًا عن عدم الثقة. البعض يعتبر تحسين الشكل الخارجي وسيلة لتعزيز الشعور بالرضا والراحة النفسية، خاصة إذا كان التغيير بسيطًا ولا يغير ملامح الشخص بشكل جذري. وحتى لو غير الملامح كاملة، كما ذكرت مها محمد (24 سنة) التي لجأت لجميع أنواع الإجراءات الشائعة تقريبًا بالإضافة إلى نحت الجسم كامل، وترى أنه من المنطقي اللجوء لهذه الإجراءات في حالة المقدرة المادية كنوع من الاهتمام بالنفس. في هذا السياق، يتم التعامل مع الفيلر والبوتوكس كأدوات تجميل مثل العناية بالبشرة أو الشعر.

مضاعفات صحية خطيرة.. قصة المؤثرة كنزي مدبولي وتحذير من مراكز غير مرخصة
رغم ذلك، لا يمكن تجاهل المخاطر المحتملة لهذه الإجراءات. من الناحية الصحية، قد تحدث مضاعفات مثل التورم والالتهابات والتحسس وتشوه الملامح في حال الحقن الخاطئ أو استخدام مواد غير معتمدة. في بعض الحالات قد تصل المضاعفات إلى انسداد الأوعية الدموية مما يسبب تلفًا في الأنسجة. هذه المخاطر تزداد عند إجراء الحقن في مراكز غير مرخصة أو على يد أشخاص غير مؤهلين.
مثلما حدث للمؤثرة كنزي مدبولي (30 سنة) التي أجرت حقنة بوتوكس في الأنف وحدثت مضاعفات كادت تؤدي إلى غرغرينة الأنف وانسداد شرايين حول الأنف. وقد اتخذت إجراءات قانونية تجاه هذه العيادة.

اضطراب صورة الجسد.. أحمد محمود بدأ عارضًا واستمر مدمنًا للتجميل بعد ترك المهنة
أما من الناحية النفسية، فقد تتحول الإجراءات التجميلية إلى دائرة لا تنتهي من عدم الرضا. بعض الأشخاص يبدأون بتعديل بسيط ثم يشعرون بالحاجة إلى المزيد من التغييرات، مما قد يقود إلى اضطراب صورة الجسد. هذا الاضطراب يجعل الشخص غير قادر على رؤية شكله الحقيقي، ويظل في حالة بحث دائم عن الكمال الذي لا يمكن الوصول إليه. في هذه الحالة، تصبح الإجراءات التجميلية سببًا في زيادة القلق بدلاً من تخفيفه.
مثلما حدث مع أحمد محمود (30 سنة) والذي كان يعمل كعارض أزياء، وهذا المجال يتطلب مواصفات خاصة كان يريد الوصول إليها عبر هذه الإجراءات التجميلية. وبعد تركه للمهنة، استمر في هذه الإجراءات، فلجأ لفيلر الشفاه والخدود وبوتوكس كامل بالوجه لإخفاء علامات تقدم السن.

العامل الاقتصادي.. سوق مربحة بلا رقابة كافية تدفع الشباب للتجربة دون وعي
يلعب العامل الاقتصادي دورًا مهمًا أيضًا. ارتفاع الطلب على هذه الإجراءات خلق سوقًا مربحة تدفع بعض العيادات إلى التسويق المبالغ فيه دون توضيح المخاطر بشكل كاف. كما أن سهولة الوصول إلى الحقن بأسعار متفاوتة شجعت فئات عمرية صغيرة على خوض التجربة دون وعي كامل بالعواقب. غياب الرقابة الصارمة يزيد من احتمالية الاستغلال ويعرض صحة الأفراد للخطر.
