كتبت: سارة أحمد
في عصر الذكاء الاصطناعي.. الشباب يلجأون إلى الشات بوت بدلاً من الطبيب النفسي
في ظل التطور التكنولوجي السريع، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث أو الترفيه، بل أصبح ملجأ يلجأ إليه الكثير من الشباب للتعبير عن مشاعرهم ومشكلاتهم النفسية. ومع انتشار استخدام شات جي بي تي، برز تساؤل مهم: هل يمكن أن يحل محل الطبيب النفسي؟ أم أنه مجرد وسيلة مؤقتة للفضفضة؟
تشير إحصاءات حديثة إلى أن أكثر من 35% من مستخدمي شات جي بي تي في الفئة العمرية من 18 إلى 24 عامًا يستخدمونه بشكل منتظم لمعالجة مشاعر القلق أو الوحدة أو الضغط النفسي. وفي مصر وحدها، ارتفعت عمليات البحث المتعلقة بالصحة النفسية عبر منصات الذكاء الاصطناعي بنسبة تجاوزت 150% خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق، مما يعكس تحولًا حقيقيًا في طريقة تعامل جيل Z مع صحته النفسية.
في هذا التقرير نرصد آراء الشباب حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي في التعامل مع مشكلاتهم النفسية، ومدى ثقتهم فيه، ولماذا قد يتجنبون اللجوء إلى متخصص.
مريم محمد 17 سنة: بيسمعني ويديني حلول بسيطة أقدر أطبقها
مريم محمد السن 17 قالت إنها تسأل شات جي بي تي عندما تحس بالقلق أو الضغط النفسي، خصوصا وقت الامتحانات. “بحس إنه بيسمعني ويديني حلول بسيطة أقدر أطبقها”، وأضافت أنها جربت تطبيق بعض النصائح ووجدت أثرا إيجابيا، مؤكدة أن الخصوصية تعد أحد أسباب عدم لجوئها إلى طبيب نفسي. مريم تدرس في المرحلة الثانوية، وتشير إلى أن الحديث مع صديق أو أحد الوالدين قد يكون محرجًا أو قد يسبب خوفًا من سوء الفهم، بينما الشات بوت لا يحكم عليها ولا يشارك أسرارها مع أحد.

زياد وليد 23 سنة: التكلفة المادية عائق رئيسي أمام زيارة الطبيب النفسي
زياد وليد السن 23 يرى أن استخدام شات جي بي تي يمثل وسيلة سريعة للتعامل مع الضغوط اليومية خاصة المرتبطة بالعلاقات. ويشير إلى أنه طرح تساؤلات تتعلق بالأدوية النفسية، إلا أن الردود بحسب وصفه كانت حذرة وتوصي بالرجوع إلى مختص. ويؤكد أن التكلفة المادية تمثل عائقا رئيسيا أمامه لزيارة الطبيب النفسي. جلسة العلاج النفسي الواحدة في القاهرة تتراوح عادة بين 300 و800 جنيه مصري، وهو مبلغ كبير بالنسبة لشاب في بداية حياته المهنية أو لا يزال طالبًا، بينما استخدام شات جي بي تي مجاني أو منخفض التكلفة، مما يجعله خيارًا جذابًا من الناحية المالية.

ياسمين أحمد 22 سنة: مريح نفسيا لكنه أحيانا يقدم ردودا عامة
أما ياسمين أحمد 22 سنة فتوضح أنها تلجأ إلى التطبيق في لحظات الشعور بالوحدة، قائلة: “هو مريح نفسيا، لكنه أحيانا يقدم ردودا عامة”. وترجع عدم توجهها إلى طبيب نفسي إلى الخوف من نظرة المجتمع. الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية لا تزال قوية في المجتمعات العربية؛ فكثير من الشباب يفضلون الحديث مع روبوت على أن يوصفوا بأنهم “مجانين” أو “مرضى نفسيون” من قبل المحيطين بهم. شات جي بي تي يمنحهم مساحة آمنة تمامًا من العار الاجتماعي.
أدم سليم 18 سنة: مجرد وسيلة للفضفضة ولا يمكن أن يكون بديلا عن الطبيب
في السياق ذاته يصف أدم سليم 18 سنة استخدامه لشات جي بي تي بأنه “مجرد وسيلة للفضفضة”، مؤكدا أنه لا يمكن أن يكون بديلا عن الطبيب النفسي، مشيرا إلى عدم اقتناعه الكامل بالعلاج النفسي، إلى جانب الكسل، من أبرز أسباب عدم لجوئه لمتخصص. أدم يمثل شريحة مهمة من الشباب الذين لم يواجهوا أزمة نفسية حادة، لكنهم بحاجة إلى من يتحدثون معه أحيانًا، وليسوا على استعداد للذهاب إلى عيادة نفسية لـ”مجرد فضفضة”. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي كخيار وسطي.

أسماء جمال 21 سنة: لا يمكن أخذ أدوية دون استشارة طبيب
وتقول أسماء جمال 21 سنة إنها تستخدم شات جي بي تي للتعامل مع التوتر والضغط، لكنها ترفض الاعتماد عليه في ما يتعلق بالأدوية، مؤكدة “لا يمكن أخذ أدوية دون استشارة طبيب”. وترى أن اللجوء إلى متخصص يظل خيارا قائما في الاحتمالات الأكثر تعقيدا. أسماء تمثل الجانب الواعي من جيل Z الذي يميز بين الدعم النفسي العام والعلاج المهني، وهو ما يعكس مستوى جيدًا من التثقيف الصحي رغم اللجوء إلى التكنولوجيا.
الدكتورة أيه: أدوات الذكاء الاصطناعي مفيدة بشكل محدود لكنها تحمل خطورة
قالت الدكتورة أيه إن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في الدعم النفسي قد يكون مفيدا بشكل محدود، لكنه يحمل خطورة عند استخدامه كبديل عن المتخصص. السبب أن هذه الأدوات لا تقوم بتشخيص الحالة ولا تفهم السياق الشخصي الكامل للمريض، وبالتالي قد تقدم نصائح عامة لا تناسب الحالة الفردية.
وأوضحت أنه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم نصائح غير مناسبة أو مبسطة أكثر من اللازم، فمثلا قد يعطي حلولا عامة لحالات تحتاج تدخلا علاجيا متخصصا، أو يوجه المستخدم للتعامل مع مشاعره بطريقة لا تناسب شدة حالته. وتضيف: “هناك حالات من الاكتئاب الشديد أو اضطرابات القلق الحادة التي تحتاج إلى أدوية وعلاج سلوكي معرفي مكثف، والشات بوت ليس مؤهلا لاقتراح أي من هذه العلاجات. بل إن النصيحة الخاطئة قد تؤخر تلقي المريض للعلاج المناسب وتفاقم حالته”.
تحليل الظاهرة: لماذا يفضل جيل Z شات جي بي تي على الأطباء النفسيين الحقيقيين؟
ما ذكرته الشهادات السابقة يكشف عن عدة عوامل تفسر هذا الاتجاه المتنامي: الخصوصية المطلقة (لا خوف من أن يعرف أحد)، التكلفة المنخفضة أو الصفرية، التوفر على مدار الساعة (لا مواعيد ولا قوائم انتظار)، غياب الوصمة الاجتماعية، وسهولة الوصول عبر الهاتف المحمول الذي لا يفارقهم أبدًا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن جيل Z هو أول جيل نشأ مع الإنترنت كامتداد طبيعي لوجوده، وبالتالي التحدث إلى روبوت لا يبدو غريبا أو غير طبيعي بالنسبة لهم. بل على العكس، كثير منهم يفضلون التفاعل النصي على التفاعل الوجهي، ويشعرون براحة أكبر مع الشاشات مقارنة بالبشر.
أرقام ومؤشرات عالمية عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية
على المستوى العالمي، تشير تقديرات شركة أبحاث السوق “ماركتس آند ماركتس” إلى أن سوق تطبيقات الصحة النفسية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي سيصل إلى 1.2 مليار دولار بحلول عام 2027، بمعدل نمو سنوي يزيد عن 25%. وقد أطلقت عدة شركات ناشئة روبوتات محادثة متخصصة في الصحة النفسية مثل “ووبوت” و”تيس”، إلا أن شات جي بي تي المجاني والمتعدد الاستخدامات يحظى بأكبر قاعدة مستخدمين.
ومع ذلك، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كبديل للمتخصصين يمكن أن يؤدي إلى أخطاء تشخيصية خطيرة، خاصة في حالات اضطرابات الأكل، الاكتئاب الذهاني، واضطراب ثنائي القطب، حيث يحتاج المريض إلى تقييم شخصي دقيق يتضمن تاريخا مرضيا طويلا وفحصًا حالة عقلية كاملة لا يمكن للروبوت إجراؤها.
بين سهولة الحلول الرقمية وخطر التعويض الكاذب
وفي النهاية تكشف آراء الشباب والخبراء أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرا بقوة في حياة الجيل الجديد، ولم يعد استخدامه مقتصرا على الدراسة أو الترفيه، بل امتد ليصبح وسيلة للفضفضة والدعم النفسي الأولي عبر أدوات مثل شات جي بي تي. ورغم ما يوفره من سهولة وسرعة وخصوصية، إلا أن المتخصصين يؤكدون أنه يظل أداة مساعدة لا يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل في التعامل مع المشكلات النفسية، خاصة تلك التي تحتاج إلى تشخيص وعلاج مهني دقيق.
وبين سهولة اللجوء إلى الحلول الرقمية، وضرورة التوجه إلى المتخصصين، تبقى الرسالة الأهم هي أن الصحة النفسية لا تحتمل التجربة أو الاعتماد على مصادر غير طبية، وأن طلب المساعدة من المختصين يظل دائما الخيار الأكثر أمانا وفاعلية. غير أن الواقع يقول إن جيل Z سيستمر في استخدام شات جي بي تي كأول خط دفاع نفسي، وربما يكون دور المجتمع والمؤسسات الصحية هو جعل الانتقال من الروبوت إلى الطبيب الحقيقي أقل تكلفة وأقل وصمة وأكثر سهولة.

