تحقيق: دينا نصر
ليست مجرد أطعمة.. بل تجربة متكاملة تعبر عن هوية جيل كامل
في السنوات الأخيرة، انتشرت منتجات غذائية غير تقليدية بين الشباب المصري والعربي، ومن أبرزها مشروب “البوبا تي” (Bubble Tea) وحلوى “الموتشي” (Mochi). لم يعد الإقبال على هذه المنتجات قائمًا فقط على الطعم، بل أصبح مرتبطًا بثقافة وهوية جيل كامل، وهو جيل Z. هذا الجيل الذي يبحث دائمًا عن الجديد والمختلف، وجد في فنجان شاي مع كرات التابيوكا وفي قطعة حلوى أرز يابانية مرنة، ما يعبر عن شخصيته: محبة للتجربة، منفتحة على العالم، وعاشقة للمشاركة البصرية عبر وسائل التواصل.
حب التجربة واكتشاف الجديد.. محرك رئيسي لانتشار البوبا والموتشي
يتميز جيل Z بحب التجربة واكتشاف كل ما هو جديد ومختلف، لذلك فإن البوبا تي والموتشي يمثلان تجربة متكاملة وليس مجرد طعام أو شراب. البوبا تي يقدم مزيجًا من النكهات (شاي بالحليب أو فواكه مع كرات التابيوكا السوداء أو الملونة) التي تضيف عنصرًا تفاعليًا ممتعًا: مضغ الكرات الصغيرة أثناء الشرب يتحول إلى لعبة صغيرة في الفم. أما الموتشي، فرطوبة من الأرز اللزج المطبوخ على البخار ثم تشكيله، وله قوام مطاطي ناعم يختلف تمامًا عن أي حلوى تقليدية، مما يجذب فضول الشباب لتجربته.

تطبيقات السوشيال ميديا: لماذا يلتقط الشباب صورًا لفنجان الشاي قبل أن يشربوه؟
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في انتشار هذه الظواهر، خاصة تطبيقات مثل تيك توك وإنستجرام. جيل Z يهتم بمشاركة تجاربه اليومية بشكل بصري جذاب، لذلك تعتبر هذه المنتجات “Aesthetic” أو مناسبة للتصوير والنشر. ألوان البوبا تي الزاهية (الوردي، البنفسجي، الأخضر)، وكرات التابيوكا الشفافة أو السوداء، وأكواب العرض الشفافة، كلها عوامل تجعل منه مشروبًا مصممًا خصيصًا ليكون “إنستجرامي”. أما الموتشي، بألوانه الباستيلية وقوامه الناعم اللامع، فهو أيضًا قطعة تصوير مثالية. هذا الانتشار البصري يزيد من شعبيتهما بشكل مضاعف، لأن كل صورة أو فيديو منشور هو إعلان مجاني للمنتج.
انفتاح على الثقافات: من تايوان إلى العالم العربي
يعكس انتشار هذه الأطعمة انفتاح جيل Z على الثقافات المختلفة. تعود أصول البوبا تي إلى تايوان في الثمانينات، بينما يُعد الموتشي من الحلويات اليابانية التقليدية التي يعود تاريخها لمئات السنين. هذا الإقبال عند الشباب العربي على استهلاك منتجات من ثقافتين بعيدتين (الشرق آسيوي) يعبر عن تقبل الجيل للتنوع الثقافي واهتمامه بتجربة كل ما هو عالمي، بعيدًا عن التعصب الغذائي أو الخوف من الغريب. في القاهرة والإسكندرية، أصبحت مقاهٍ متخصصة تقدم البوبا تي بنكهات متعددة، وتوجد محلات تبيع الموتشي طازجًا أو مجمدًا، وتلاقي إقبالًا كبيرًا.

شهادات شباب من جيل Z: بين الفضول والمذاق والتصوير
لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء هذا الإقبال، تحدثنا مع عدد من الشباب والفتيات المصريين من محبي البوبا تي والموتشي.
مريم أشرف (20 سنة): “أول مرة جربت البوبا تي كان بسبب فيديو شفته على تيك توك لشخص في كوريا يشربه. شكل الكرات وهو بيتحرك في الشفاط شدني. أول مرة حسيت إني بشرب حاجة وفي نفس الوقت بأكل، التجربة مختلفة وممتعة. دلوقتي بروح الكافيه مرة كل أسبوعين تقريبًا.”
عمر خالد (22 سنة): “الموتشي بالنسبة لي اكتشاف رهيب. قوامه فيه حاجة إدمان، مش زي الجيلاتي ولا الكيك. أنا بحب النكهات التقليدية زي الماتشا (الشاي الأخضر) والفول السوداني. ومعجب إني آكل حاجة أصلها من ثقافة تانية، بحس إن ده يخليني عالمي شوية.”
نور الهدى سامي (19 سنة): الصراحة أنا بصور البوبا تي دايمًا قبل ما أشربه. الألوان الجامدة والحبة اللي في الآخر، الموضوع بيطلع شكله حلو في الاستوري. مش عيب إن الإنسان يشارك الحاجات الحلوة في يومه، والبوبا تي بقى ترند يعني لازم يكون عندك صورة معاه.”
ليلى عادل (21 سنة): “جربت الموتشي أول مرة في معرض ثقافي، ومن ساعتها وأنا بدور عليه. الفكرة إنه مش موجود بسهولة في كل مكان، فده يخليه حاجة خاصة. لما أجبله لأصحابي بيحبوه. بحس إن ذوقي في الحلويات بقى مختلف عن أهل مثلًا، دول مش بيحبوه خالص بيقولوا طعمه غريب.”
ظاهرة عالمية بأرقام: سوق البوبا تي ينمو بسرعة
تشير تقارير صناعية إلى أن سوق مشروبات البوبا تي العالمية بلغ حجمه أكثر من 2.5 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يستمر في النمو بمعدل 7% سنويًا. وفي مصر، تضاعف عدد المقاهي المتخصصة في تقديم البوبا تي خلال عامين فقط، من عدد قليل في التجمع الخامس والزمالك إلى وجودها في عدة أحياء بالقاهرة والإسكندرية. أما الموتشي، فرغم أنه لا يزال أقل انتشارًا، إلا أن الطلب عليه في ازدياد، خاصة عبر المتاجر الإلكترونية التي تبيع حلويات آسيوية.

هل البوبا تي والموتشي صحيان؟ بين المتعة والحقيقة الغذائية
من ناحية أخرى، يثار تساؤل حول القيمة الغذائية لهذه المنتجات. البوبا تي يحتوي غالبًا على كميات عالية من السكر (ملعقتان إلى أربع ملاعق صغيرة لكل كوب)، وكرات التابيوكا المصنوعة من نشا الكسافا ليس لها قيمة غذائية تذكر، فقط طاقة من الكربوهيدرات. أما الموتشي فيحتوي على سكر وأرز، ويمكن أن يكون مرتفع السعرات الحرارية أيضًا.
تشير ماجدة رشدي، أخصائية التغذية العلاجية، إلى أن “المشكلة ليست في تناول هذه المنتجات من حين لآخر، بل في تحولها إلى عادة يومية. كوب بوبا تي كبير يمكن أن يحتوي على 400 سعرة حرارية، أي ما يعادل وجبة صغيرة. نصيحتي للشباب هي الاستمتاع بها كعلاج أسبوعي، ليس أكثر.” وتضيف: “لكن من الناحية النفسية، وجود مثل هذه المأكولات الممتعة التي يرتبط بها الشباب اجتماعيًا هو أمر إيجابي، طالما تم تناوله باعتدال.”
الموتشي والبوبا تي في الثقافة الشعبية.. حين يصبح الطعام جزءًا من الهوية
ما يميز البوبا تي والموتشي عن غيرهما من الأطعمة المستوردة (مثل البيتزا والبرجر) هو أنهما حملا معهما عبئًا ثقافيًا مميزًا. فالموتشي يظهر في أفلام الأنيمي اليابانية، التي يتابعها جيل Z بكثافة. وشرب البوبا تي يرتبط في الأذهان بثقافة الكيبوب والدراما الآسيوية. لذلك، عندما يشرب شاب مصري بوبا تي، فهو لا يستهلك مشروبًا فحسب، بل يعبر عن انتمائه لعالم ثقافي أوسع، يتجاوز الحدود الجغرافية ويربطه بمجتمع عالمي من الشباب ذوي الاهتمامات المشتركة.

ترند عابر أم أسلوب حياة؟
في النهاية، يمكن القول إن البوبا تي والموتشي لم يعودا مجرد ترند عابر أو موضة مؤقتة، بل أصبحا رمزًا لأسلوب حياة يعكس اهتمامات جيل Z المتعددة: حب التجربة، التعبير عن الذات من خلال الصورة ونشرها، التأثر بالسوشيال ميديا، والانفتاح على الثقافات الأخرى دون تعقيدات. سواء استمرت هذه المنتجات لعقد قادم أو حلت محلها منتجات جديدة، فهي تظل علامة فارقة على هوية هذا الجيل الذي يعيد تعريف علاقته بالطعام: لا أكلة فقط، بل تجربة كاملة.
