كتبت: سارة أحمد
جيل العشرينات والثلاثينات.. ظاهرة جديدة تسمى الخوف من الزواج
في الوقت اللي بيعتبر فيه المجتمع إن الزواج “استقرار” و”خطوة طبيعية” لأي شب وبنت، بتظهر ظاهرة جديدة بقت واضحة في جيل العشرينات والثلاثينات: شباب وبنات عندهم خوف حقيقي من الزواج، خوف وصل عند البعض لدرجة الفوبيا.
بنات في سن 28، 29، 30 لسه ماخدوش الخطوة، مش ضعف نصيب وبس، لكن بسبب مخاوف داخلية. منهم اللي فقدت ثقتها في فكرة الزواج نفسها بعد ما شافت معاملة قاسية بين أهلها، أو أب بيعامل الأم بطريقة سبب لها “عقدة” مستمرة لحد النهاردة، فكبرت وهي شايفة إن الزواج ممكن يكون مصدر وجع وليس أمان.
وفي المقابل، شباب برضه عندهم مخاوف مش بيقولوا عنها بسهولة: خوف من المسؤولية ومن الفشل، ومن الضغط المادي، ومن التوقعات العالية اللي المجتمع والأسرة بيحطوها عليهم. في شباب شايفين نماذج علاقات حواليهم انتهت بمشاكل، وفي اللي عنده عقدة من الأم، واللي شايف إن حياته المهنية أو المادية لسه مش جاهزة لارتباط طويل.
في هذا التحقيق نقرب من مخاوف البنات والشباب، نسمع تجاربهم، أسباب خوفهم، الصدمات اللي مروا بها، ورؤيتهم للارتباط دلوقتي. هل إحنا أمام جيل عنده فوبيا من الزواج؟ ولا إحنا قدام جيل بقي أجرأ في إنه يفكر قبل ما يخطي؟
منيرة طاهر 28 سنة: عقده من الزواج بسبب معاملة الأب لأمي
منيرة طاهر 28 سنة بتقول إنها عندها عقده من الزواج بسبب معاملة الأب السيئة لأمها وتراكم المواقف اللي عاشتها معاهم في البيت. هي كمان مش قادرة تفكر في الارتباط لأنها خايفة تسيب أمها لوحدها وتتعرض لمعاملة وحشة من الأب من غير ما تكون جنبها.
منيرة شايفة إن أي حد مقبل على الزواج لازم يطول فترة الخطوبة عشان يدرسوا بعض كويس ويتأكدوا إنهم يقدروا يكملوا معا، وبتؤيد تأجيل الخلفة أول سنة أو سنتين لحد ما يتأكدوا إن العلاقة مستقرة، عشان ميدخلوش أطفال في حياة ممكن تسبب لهم عقد نفسية.
ومن وجهة نظرها، الأب بيكون السبب الأساسي في أغلب المشاكل النفسية للبنت بسبب عدم اهتمامه ودعمه واحتوائه ليها، وده بيخليها تخاف من فكرة الزواج. وعشان كده منيرة مش هتتجوز غير لما تلاقي شخص أمين وتختبره كويس، ولو اتجوزت هتأجل الخلفة رغم إحساسها إن عمرها بيجري.

ريهام السيد 30 سنة: اتخطبت أكتر من مرة وفسخت قبل الفرح بشهر
ريهام السيد 30 سنة بتقول إنها لحد دلوقتي مجتش خطوة الزواج لأنها ملقتش الراجل المناسب، رغم إن اتقدم لها ناس كتير، لكنها كانت بتحس إن أغلبهم طمعانين فيها بسبب شغلها، بيأكدوا لها الإحساس ده.
اتخطبت أكتر من مرة وماحصلش نصيب، وآخر خطوبة فسختها قبل الفرح بشهر لأن خطيبها طلب منها تتنازل عن كل حقوقها لو حصل طلاق، وده خلاها تحس إن الموضوع “صفقة” ومفهوش أي أمان. هي بتعترف إنها وافقت من الأول تحت ضغط كلام قرايبها “كبرتي هتتجوزي إمتى؟”، ورغم إنها نفسها تتجوز، لكنها مصممة إنها مش هتعمل الخطوة غير مع رجل حقيقي يشيل المسؤولية، لأنها كأنثى تعبت من الشغل وعايزة تحس معاه بالأمان.

حسين أحمد 29 سنة: وفاة الأدي وزواج الأم بعد أسبوع كسر ثقتي فيها
حسين أحمد 29 سنة بيحكي إن والده ووالدته كانوا بيحبوا بعض جدا قبل الزواج، وإن حياته كانت مستقرة لحد وفاة والده. لكن بعدها، وبمجرد انتهاء الوفاة، اتجوزت والدته خلال أسبوع، وابتعدت عنه وتركته يعيش لوحده ويصرف على نفسه من صغره. التجربة دي كسرت ثقته فيها وخلته يشوف إن المفروض تكون قدوته لكنها تخلت عنه بسهولة.
ده خلق عنده خوف كبير من الزواج، وبقي شايف إن بعض الستات أنانيات وما يهمهمش غير نفسهم. وبيقول إن والده ضحى كتير وكانت علاقته بوالدته مثالية، ومع ذلك هي أول ما لقت فرصة “شافت حياتها”، وده خلاه يحس إن الارتباط مش مضمون.
حسين بيؤكد إنه نادرا ما بيثق في حد، وحتى لو وثق دايما بيكون متوقع الغدر. ولما بيجي سيرة الجواز، بيحس بتوتر شديد وكره لفكرة الزواج نفسها.

هدي علاء 29 سنة: والدى اتجوز على والدتي من غير ما تعرف فطلقها
هدي علاء السن 29 سنة بتحكي إن اتقدم لها عرسان كتير، وكانت بتحب شاب سوري لكن والدها رفضه. هي أصلا عندها عقدة منه لأنه اتجوز على والدتها من غير ما تعرف، ولما الأم اكتشفت، عاملها أسوأ معاملة وكأنها “خادمة”، وبعدها طلقها. التجربة دي سببت لهدي خوف شديد من الرجالة والزواج.
ومن وقتها كل ما يتقدم لها عريس بترفضه بسبب العقدة اللي جواها، وبقت مش بتحب الخروج ولا التعامل مع الناس وبتعزل نفسها. ولما حد بيتقدم، بتلاقي فيه عيوب بسهولة وبتبعد عنه على طول.
الدكتورة يارا فهمي سالم: فوبيا الارتباط أصبحت شائعة بين الشباب
قالت د. يارا فهمي سالم، استشارية الصحة النفسية والإرشاد الأسري، إن فوبيا الارتباط أصبحت شائعة بين الشباب، وهي خوف غير منطقي من الدخول في علاقة مستقرة أو خطوة رسمية، رغم وجود رغبة داخلية في الارتباط. وتؤكد أن الفرق بينها وبين الخوف الطبيعي كبير، فالخوف الطبيعي مؤقت، لكن الفوبيا بتعطل الشخص تماما وتدفعه للهروب.
وترجع د. يارا انتشار الظاهرة إلى ضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتجارب عاطفية مؤلمة، بجانب تأثير السوشيال ميديا وغياب نماذج أسرية مستقرة عند الكثير من الشباب.
وتشير إلى أن أبرز علامات الفوبيا هي المبالغة في رؤية العيوب، الانسحاب فجأة، الخوف من القرب العاطفي، والتقليل من قيمة أي علاقة. وتؤكد أن التجارب الفاشلة خصوص اللي فيها خيانة أو خذلان بتخلق خوفا داخليا يتحول مع الوقت لفوبيا. وتوضح أن الشخص المصاب يشعر بتوتر وقلق ورغبة في الهروب مع أول اقتراب عاطفي، وأن الأعراض بتظهر عند الولاد بشكل أوضح بسبب ضغط المسؤوليات.

وتؤكد د. يارا أن فوبيا الارتباط قابلة للعلاج، وغالبا ما تتحسن باستخدام العلاج المعرفي السلوكي خلال 8 إلى 16 جلسة فقط.
الدكتورة رضوي غريب: الخوف الطبيعي ينتهي بقرار أما الفوبيا فتدفع للهروب المتكرر
بينما قالت د. رضوي غريب، استشارية علاقات زوجية وأسرية، إن فوبيا الارتباط هي خوف داخلي من الالتزام، وليس كراهية للحب، لكنها صراع بين الرغبة في القرب والخوف من الأذى والقيود، ويظهر غالبا عند دخول العلاقة مرحلة الجدية.
وتؤكد أن الفرق بين الخوف الطبيعي والفوبيا هو التكرار، فالخوف الطبيعي ينتهي بقرار، أما الفوبيا فتدفع صاحبها للهروب المتكرر دون سبب منطقي واضح.
وترى أن انتشار الظاهرة بين الشباب مرتبط بزيادة الضغوط الحياتية وتشويه صورة الزواج، وكثرة التجارب الفاشلة المعروضة حولهم.
وتشير إلى أن من علامات الفوبيا التركيز المبالغ على عيوب الطرف الآخر، المماطلة أو الانسحاب المفاجئ عند الحديث عن الارتباط. وتوضح أن التجارب العاطفية المؤلمة، وكذلك النشأة في بيئة أسرية غير مستقرة، تزرع خوفا عميقا من تكرار الألم.
وتشرح أن المصاب بالفوبيا يشعر بتوتر واختناق ورغبة في الهروب عند التقارب العاطفي، حتى لو كان الطرف الآخر مناسبا. وتؤكد أن الفوبيا لا ترتبط بجنس معين، لكنها تختلف في أسبابها ودوافعها من شخص لآخر.
وتنصح بمواجهة الخوف وفهم أسبابه الحقيقية، وعدم إسقاط تجارب الماضي على علاقات جديدة، مع طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة. وتختتم بأن فوبيا الارتباط حالة قابلة للعلاج، ويختلف وقت التعافي حسب كل حالة واستعدادها للتغيير.
الشيخ خالد خطيب: الخوف من الزواج ليس ضعفا في الإيمان بل شعور إنساني طبيعي
أكد الشيخ خالد خطيب إمام وخطيب، أن الخوف من الزواج لا يعد بالضرورة ضعفا في الإيمان، بل هو شعور إنساني طبيعي ناتج عن الانتقال إلى مرحلة جديدة مليئة بالمسؤوليات. ويوضح أن الخوف المذموم شرعا هو الذي يعطل الإنسان عن الحلال مع قدرته، ويجعله يستسلم للتردد وسوء الظن بالله، بينما المؤمن قد يخاف لكنه يقدم متوكلا، مستندا إلى وعد الله بالكفاية لمن يتوكل عليه.
ويشير إلى أن القلق من تحمل المسؤولية أمر مفهوم، لأن المسؤولية لا تأتي كاملة منذ البداية، وإنما تكتسب بالتدريج. فالزواج، بحسب وصفه، ليس امتحان كمال، بل مشروع تعلم ونمو، مؤكدا أن العون والرزق والتوفيق الإلهي يأتي بعد الإقدام لا قبله، خاصة لمن صدق في نيته وسعى للعفاف.
ويضيف أن الإسلام يوازن بين التأني المطلوب والخوف المبالغ فيه، فلا يدعو إلى التسرع ولا يبرر الهروب الدائم. فشرع الاستخارة، وحث على الاستشارة، والنظر في الدين والخلق، موضحا أن استمرار الخوف بعد استكمال هذه الأسباب دون مبرر واقعي يعد وسوسة لا حكمة، لأن التأني المشروع هو تفكير يعقبه قرار، لا تردد بلا نهاية.
كما يلفت إلى أن من نشأ في بيئة أسرية مضطربة لا يتحمل وزر ما شاهده، ولا يجب أن يكون أسيرا لتجارب مؤلمة. فالإسلام لا يقدم الزواج كنموذج مكرر للفشل، بل كعبادة وسكينة قائمة على المودة والرحمة، ويمنح الإنسان فرصة لبناء تجربة مختلفة قائمة على الوعي والإصلاح الذاتي.
ويختتم الشيخ خالد حديثه بالتأكيد على أن من أكثر العوامل التي تعمق فوبيا الزواج لدى الشباب تضخيم صورة الزواج بين مثالية غير واقعية وكارثية مخيفة، إلى جانب تأثير القصص السلبية المنتشرة، وضعف الحوار الأسري، والمقارنات المستمرة، وتأخير الزواج بلا سبب شرعي معتبر. ويؤكد أن الزواج في حقيقته نعمة تدار بالحكمة والصبر، لا حلمًا ورديًا ولا كابوسًا دائمًا.
الزواج ليس كابوسا.. لكنه يحتاج وعيا ودعمًا نفسيًا
في النهاية، تكشف قصص البنات والشباب عن أن فوبيا الارتباط لم تعد مجرد خوف عابر، بل انعكاس لتجارب إنسانية معقدة بين خذلان عاطفي، وضغوط مجتمعية، ونماذج أسرية غير مستقرة. وبين من يهرب خوفا، ومن ينتظر أمانا حقيقيا، يبقى الارتباط خطوة تحتاج وعيا ودعما نفسيا وحوارا صادقا، لا أحكاما سريعة أو ضغوطا جاهزة. فربما لا يخاف هذا الجيل من الزواج بقدر ما يبحث عن علاقة أكثر عدلا وطمأنينة.
