كتبت: كارين كرم
لكل عصر مساوئه ومخاطره، وكل جيل يواجه تهديدات تختلف عن سابقه، لكن اللافت في السنوات الأخيرة هو تزايد الجرائم التي تثير الذعر في المجتمع، سواء تلك المرتبطة بالعنف التقليدي أو الجرائم المستحدثة التي ولدتها التكنولوجيا. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل المشكلة في جيل Z وأخلاقياته؟ أم أن العصر نفسه هو الذي أنتج هذه الجرائم؟
في الحقيقة، لا يمكن فصل الجيل عن عصره، فكلاهما يؤثر في الآخر. جيل Z الذي نشأ في فضاء إلكتروني مفتوح، وتعرض لتدفق غير مسبوق من المعلومات والمؤثرات، أصبح أكثر عرضة لجرائم من نوع جديد مثل النصب والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الرقمي، واختراق الشبكات والمعاملات البنكية. هذه الجرائم لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل عقدين، مما يعني أن العصر نفسه هو الذي أوجد بيئة خصبة لظهورها.
ولكن في المقابل، تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مصر حققت تقدماً كبيراً في مجال الأمن خلال السنوات العشر الماضية. فقد أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، استناداً إلى تصريح صادر عن وزارة الداخلية، أن مصر تقدمت 93 مركزاً في مؤشر الجريمة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2014، حيث احتلت المركز 29 عالمياً بعد أن كانت في المركز 122. كما تحسن ترتيب مصر في مؤشر جرائم القتل لكل مائة ألف نسمة بتقدم 14 مركزاً، وتقدمت 111 مركزاً في مؤشر تصورات الجريمة الذي يقيس شعور المواطنين بالأمان عند السير ليلاً.

هذه الأرقام تعكس تحولاً حقيقياً في المنظومة الأمنية المصرية، لكنها لا تنفي وجود تحديات جديدة، خصوصاً تلك المتعلقة بالجرائم الإلكترونية التي تستهدف الشباب بشكل خاص.
وفي هذا السياق، صرح وائل موسى، نائب رئيس التحرير بقسم الحوادث بجريدة الجمهورية ورئيس تحرير ملحق “دموع الندم”، بأن أكثر الجرائم انتشاراً في جيل Z هي الاحتيال الإلكتروني، والابتزاز، والتحرش، والعنف، والسرقة. وأوضح أن هذه الجرائم تأخذ أشكالاً جديدة لم نكن نعرفها من قبل، مثل اختراق الحسابات الشخصية وانتحال الشخصيات على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف النصب على الضحايا.
أما النقيب أحمد السيد، ضابط مباحث مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات، فأكد في تصريح خاص أن الأجهزة الأمنية تبذل جهوداً كبيرة لمواكبة هذه الجرائم المستحدثة. وقال: “أنشأنا وحدات متخصصة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وطورنا آليات الرصد والتتبع الرقمي، واستطعنا ضبط العديد من العصائر المنظمة التي كانت تدير شبكات نصب إلكتروني وابتزاز طالت آلاف الضحايا”. وأضاف أن أكثر الفئات استهدافاً هم الشباب والمراهقون بسبب كثافة استخدامهم للإنترنت وعدم وعيهم الكافي بمخاطر مشاركة البيانات الشخصية.
وحول الجانب القانوني، قال المحامي مايكل مرزوق إن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 وضع إطاراً تشريعياً واضحاً لمواجهة هذه الجرائم. وأوضح أن العقوبات تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وغرامة تصل إلى مائتي ألف جنيه في جرائم الاختراق البسيط، بينما تصل العقوبة إلى السجن المشدد لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وغرامة تصل إلى مليون جنيه في حالات الاحتيال الإلكتروني والابتزاز. وأضاف: “القانون يعطي القاضي سلطة تقديرية واسعة لتشديد العقوبة حسب ظروف كل جريمة، وهذا ساعد في ردع الكثير من الجناة”.
ولكن السؤال الأعمق يبقى: لماذا يلجأ شباب جيل Z إلى ارتكاب هذه الجرائم؟ هل هو بسبب ضعف الوازع الأخلاقي، أم بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أم لأن التكنولوجيا وفرت لهم وسائل لم تكن متاحة للأجيال السابقة؟
يرى مرزوق أن العصر الرقمي خلق فجوة بين الأخلاق التقليدية وسرعة التطور التكنولوجي، حيث يجد بعض الشباب أنفسهم في بيئة افتراضية تخلو من الرقابة الأسرية والمجتمعية، مما يسهل انزلاقهم إلى سلوكيات إجرامية دون أن يدركوا خطورتها. وأضاف: “كثير من الشباب لا يعتبرون الاحتيال الإلكتروني جريمة حقيقية، بل يرونه مجرد ذكاء أو استغلال للفرص، وهذا خلل في المنظومة القيمية يحتاج إلى توعية من الأسرة والمدرسة”.

أما وائل موسى فيرى أن جيل Z ليس بالضرورة أسوأ من الأجيال السابقة، لكنه يواجه تحديات غير مسبوقة أجبرته على التكيف مع عالم سريع التغير، وهذا التكيف أحياناً يأخذ منحى سلبياً. وقال: “كل جيل له جرائمه، لكن الجرائم الإلكترونية بطبيعتها أكثر انتشاراً وأسرع تأثيراً، وهذا ما يعطي انطباعاً بأن الجيل الحالي أكثر إجراماً، بينما الحقيقة أن الوسائل تغيرت لا البشر”.
وفي الختام، يمكن القول إن الجريمة في جيل Z هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل العصر والبيئة الرقمية والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وليس مجرد انعكاس لخلل أخلاقي في جيل بعينه. فبقدر ما نجحت الدولة في خفض معدلات الجريمة التقليدية وتحسين مؤشرات الأمن، بقدر ما تظهر تحديات جديدة تتطلب استجابة سريعة من الأجهزة الأمنية والتشريعية والتربوية. الموازنة بين التطور التكنولوجي والحفاظ على القيم الأخلاقية هي التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع اليوم، لا سيما مع استمرار تطور أدوات الجريمة الإلكترونية بشكل أسرع من أدوات مكافحتها.
