في زمن يركض فيه الجميع خلف التطبيقات الجديدة والترندات العابرة، يطل سؤال ثقيل على قلوب المهتمين: أين ذهبت حكايات الأجداد؟ وأين أصبحت حضارة كانت تدرس العالم قبل أن تدرس هي نفسها للعالم؟ الجيل الحالي للأسف يعيش في فجوة معرفية عميقة مع تاريخه وحضارته، فهو يحفظ تفاصيل حياة مشاهير الإنترنت أكثر من حفظه لأسماء أعظم القادة والعلماء الذين صنعوا أمجاد أمته.
المشكلة ليست مجرد جهل عابر أو نقص information يمكن تعويضه بنقرة زر، بل هي أزمة هوية حقيقية تتمثل في انفصال تام بين جيل كامل وجذوره، فكثير من الشباب اليوم لا يعرفون شيئاً عن الحضارة الفرعونية العظيمة التي أذهلت العالم بهندستها وفلكها وطبها، ولا يدركون عظمة الحضارة الإسلامية التي أنارت أوروبا في عصور الظلام، ولا يمرون حتى على أسماء مثل ابن سينا والرازي وابن الهيثم والخوارزمي الذين وضعوا أسس العلم الحديث، ناهيك عن قادة الفتح والبناء مثل عمرو بن العاص وصلاح الدين الأيوبي والناصر محمد بن قلاوون الذين صنعوا أمجاداً لا تزال آثارها شامخة حتى اليوم.
وليس الذنب كله يقع على الشباب، بل هناك منظومة كاملة تشاركت في خلق هذه الفجوة المعرفية الخطيرة. المنظومة التعليمية هي الخط الأول، فمناهج التاريخ في أغلب البلاد العربية أصبحت حبيسة صفحات جافة من الأسماء والتواريخ التي تُحفظ للامتحان ثم تُنسى بعد آخر ورقة، بلا ربط حقيقي بالحاضر، ولا إثارة لشغف الطالب، ولا محاولة لغرس الفخر والانتماء. هناك فرق شاسع بين أن يحفظ الطالب أن معركة عين جالوت حدثت عام 1260 ميلادياً، وبين أن يفهم كيف كادت المنطقة أن تسقط في براثن المغول لولا صمود المماليك، وكيف أن انتصاراً واحداً غير مجرى التاريخ لقرون.
أما الخط الثاني فهو وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي غزت عقول الشباب بمحتوى سريع سطحي، لا يترك مساحة للتأمل أو القراءة العميقة. الدراما التاريخية الجادة التي كانت تقدم أعمالاً عن صلاح الدين أو عنترة أو طارق بن زياد تراجعت بشكل كبير لصالح مسلسلات وأفلام تخلو من أي عمق ثقافي، وحتى المحتوى المقدم عن التاريخ على مواقع مثل يوتيوب وتيك توك غالباً ما يكون هزيلاً أو مغلوطاً أو يقدم الماضي بطريقة مبتذلة لا تليق بعظمته.
والخط الثالث هو النظام الأسري نفسه، حيث انشغل الآباء بتوفير المتطلبات المادية وتلبية رغبات الأبناء التقنية، فيما تراجع دور الأسرة في نقل التراث الشفهي والقصص والحكايات التي كانت الأجداد يروونها للأحفاد في ليالي الشتاء، فاختفت الحكاية التي كانت تزرع الانتماء بالفطرة قبل أن تحتاج إلى كتاب أو منهج.
ولخطورة هذا الجهل عواقب وخيمة لا تقتصر فقط على ضعف المستوى الثقافي العام. حين يجهل الجيل تاريخه، يصبح فريسة سهلة للتشويهات والروايات المغلوطة التي يبثها أعداء الأمة، فيصدق قصصاً ملفقة تطعن في رموزه وتقلل من شأن حضارته. والأخطر من ذلك أن الجاهل بتاريخه لا يستطيع استلهام الدروس والعبر، فهو لا يعرف كيف بنى أجداده حضارة ازدهرت ألف عام، ولا كيف قاوموا التحديات، ولا كيف استطاعوا التوفيق بين الأصالة والتجديد، وبالتالي يصبح عاجزاً عن التخطيط لمستقبل أفضل لأنه فقد البوصلة التي ترشده بتجارب من سبقوه.
كما أن فاقد التراث يعاني دائماً من شعور بالنقص أمام الغرب، خاصة عندما يقرأ أو يشاهد إنجازات الآخرين وهو لا يملك مرجعية تاريخية تذكره بأن أجداده هم من كانوا يدرّسون العالم قبل أن ينقلب الحال. هذا الشعور بالنقص يتحول إلى تبعية فكرية وثقافية، وإعجاب أعمى بكل ما هو غربي، ونبذ لكل ما هو محلي وعربي وإسلامي، وربما إلى ازدراء للغة العربية نفسها وللخط العربي وللزينة الإسلامية والعادات والتقاليد الأصيلة.
العلاج ليس مستحيلاً لكنه يحتاج إلى إرادة جماعية تبدأ من تطوير المناهج التعليمية لتكون قصصية شائقة تدمج التاريخ بالفن والدراما والتجارب العملية، وليس مجرد حفظ تواقيت وأسماء. وتستمر باستثمار وسائل الإعلام ومواقع التواصل في تقديم محتوى تاريخي جذاب بصرياً وسردياً ينافس أساطير نتفليكس وهوليوود، فالتاريخ العربي والإسلامي مليء بالمعارك الحماسية والقصص الإنسانية العميقة والمواقف العاطفية التي تصلح لأقوى الأفلام والمسلسلات. وينتهي بدور الأسرة الذي لا يمكن تعويضه، بإحياء ثقافة رواية الحكايات وتخصيص وقت للحديث عن بطولات الجدود وعبرة السابقين.
في النهاية، التاريخ ليس مجرد رف كتب مغبرة ولا مادة للامتحانات المدرسية، التاريخ هو شجرة العائلة الكبرى لكل أمة، من يجهل أصله يضيع في الغابة، ومن يقطع صلته بماضيه يصبح بلا هوية ولا مستقبل. وتعلم التاريخ والحضارة اليوم ليس ترفاً ثقافياً، بل هو ضرورة وجودية لأي جيل يريد أن يفهم نفسه أولاً، ويبني مجده ثانياً، ويواجه تحديات العصر بثبات من لا ينسى دروس من سبقوه.