في زمن أصبح فيه التعليم المستمر ضرورة لا ترفاً، ومع انفجار سوق الكورسات الإلكترونية في كل مكان، ظهرت ظاهرة خطيرة تهدد آلاف الراغبين في تطوير أنفسهم وهي الكورسات الوهمية التي تبيع الأوهام وتسرق الوقت والمال وتترك صاحبها في النهاية خالي الوفاض
الانتشار الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت جعل من السهل لأي شخص أن يعلن عن نفسه خبيراً أو مدرباً معتمداً دون أن يمتلك الحد الأدنى من الكفاءة، فيصنع إعلاناً براقاً بعنوان جذاب ووعود مذهلة عن تحول جذري في الحياة خلال أيام، ثم يبدأ في جذب الضحايا الذين يبحثون عن طريق مختصر للنجاح
هذه الكورسات الوهمية تتخذ أشكالاً متعددة، فمنها ما يقدم محتوى مسروقاً من مصادر مجانية على الإنترنت يعاد تجميعه وبيعه بأسعار باهظة، ومنها ما يعتمد على تضخيم بسيط لمعلومات سطحية يسهل الحصول عليها بأي بحث سريع على غوغل، ومنها ما يخفي واقعه وراء شهادات وهمية من جهات غير معتمدة لا قيمة لها في سوق العمل ولا يعترف بها أي جهة رسمية
والمأساة لا تكمن فقط في الخسارة المادية التي قد تتراوح بين مئات وآلاف الجنيهات أو الدولارات، بل في الوقت الضائع الذي كان يمكن استثماره في تعلم حقيقي، وفي الشعور بالإحباط الذي يصيب المتعلم عندما يكتشف أنه ضحية نصب منظم، وقد تؤدي بعض هذه الكورسات إلى توجيه المتعلمين في مسارات خاطئة تضر بمستقبلهم المهني
وللأسف فإن من أبرز أساليب هذه الكورسات الوهمية هو الاعتماد على شهادات وتوصيات مزيفة من أشخاص يزعمون أنهم نجحوا بفضل هذا الكورس، وصور لحسابات بنكية وأرقام أرباح فلكية، وضغط نفسي على المتلقي عبر عروض محدودة زمنياً وخصومات وهمية تختفي بعد ساعات، إلى جانب استخدام أسماء لامعة لشركات عالمية ومؤسسات تعليمية مرموقة دون أي علاقة حقيقية بها
فكيف يمكن للراغب في التعلم أن يحمي نفسه من هذه الفخاخ المنتشرة؟ أولاً بالبحث الدقيق عن المدرب أو المؤسسة المقدمة للكورس، والتحقق من خلفياتهم العلمية والعملية وخبراتهم المنشورة في مصادر موثوقة، ثانياً بمراجعة التقييمات الحقيقية للمشاركين السابقين عبر منصات مستقلة وليس من خلال التعليقات التي تنشرها الجهة المعلنة فقط، ثالثاً بالتأكد من أن الشهادة المقدمة معترف بها من جهات رسمية أو مهنية ذات مصداقية، ورابعاً بعدم الانجرار وراء الوعود الخيالية التي تعد بثروة سريعة أو تحول جذري في أيام قليلة دون جهد حقيقي
كما ينبغي الانتباه إلى أن الكورس الجيد الحقيقي يقدم محتوى واضحاً وتفاصيل دقيقة عن المنهج والمدة والمتطلبات، بينما الكورس الوهمي يعتمد على الغموض والشعارات البراقة والعناوين المثيرة التي تثير الفضول دون تقديم معلومات جوهرية
في النهاية يبقى الحذر والوعي هما السلاح الأقوى في مواجهة هذه الظاهرة، ولتكن قاعدة ذهبية تقول إن ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة، والتعلم الحقيقي يحتاج إلى وقت وجهد ومصادر موثوقة، وليس إلى كورس خيالي يعدك بالجنة على الأرض ثم يتركك في وهم سراب، فاستثمارك في نفسك يجب أن يكون مبصراً لا يقوده بريق الإعلانات الكاذبة ولا وساوس الرغبة في النجاح السريع