بقلم: كارين كرم
ألاحظ في السنوات الأخيرة ظاهرة تثير قلقي وتستوقف تفكيري، وهي الانتشار المخيف للشائعات وتدفق المصادر غير الحقيقية في كل اتجاه. أصبحنا نعيش في عالم يموج بالمعلومات، بعضها صحيح وبعضها الآخر مجرد زبد لا قيمة له، لكن المشكلة أن هذا الزبد يجد طريقه إلى العقول ويترسب فيها وكأنه حقيقة لا تقبل الجدل. أرى حولي أناسًا يصدقون كل ما يقرؤونه، ينقلون كل ما يصل إليهم دون تروٍ أو تدقيق، وكأن العقل أصبح في عطلة دائمة، وكأن مسؤولية التثبت قد ألغيت من قاموس الحياة اليومية.
أشعر بالإحباط حين أرى كيف تنتقل الشائعة كالنار في الهشيم، وكيف تتحول المعلومة الخاطئة إلى حقيقة مسلم بها بمجرد تكرارها عدة مرات. أخطر ما في الأمر أن الشائعات لم تعد تقتصر على الأمور التافهة، بل أصبحت تستهدف القضايا المصيرية: الصحة، الاقتصاد، السياسة، العلاقات الشخصية. كم مرة سمعت عن أدوية وعلاجات وهمية تنتشر كأنها حقائق علمية؟ كم مرة قرأت أخبارًا عن أحداث لم تقع، أو تصريحات لم تصدر، أو إنجازات لم تتحقق؟ ثم كم مرة رأيت الناس يصدقون كل ذلك دون أن يسألوا أنفسهم: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وهل يمكن التحقق منها؟
أعتقد أن جذور هذه المشكلة تمتد إلى عدة أسباب مترابطة. أولها سرعة التواصل في عصر التكنولوجيا، حيث أصبح الخبر ينتشر قبل أن يتم التأكد منه، بل وقبل أن يدرك صاحبه أنه قد يكون مخطئًا. كل شخص يمتلك هاتفًا ذكيًا أصبح ناشرًا محتملاً، وقناة إخبارية بذاته، دون أي مسؤولية أو رقابة على ما ينشر. ثانيها تراجع ثقافة التدقيق، فأصبحنا نعيش في زمن يفضل السرعة على الدقة، والتفاعل على التفكر، والمشاركة على التثبت. ظاهرة “الشير” قبل “التفكير” أصبحت وباءً يهدد صحة المعلومات في المجتمع. ثالثها الاعتماد على العاطفة أكثر من العقل، فالشائعات التي تثير الغضب أو الخوف أو الفرح تجد طريقها أسرع إلى القلوب قبل العقول، وتنتشر كأنها مسؤولية أخلاقية أن ننقلها للآخرين.
أشعر أن الحلول لا بد أن تنطلق من الفرد قبل المجتمع، ومن التربية قبل القانون. رأيي الشخصي أن أول خطوة في مواجهة هذه الأزمة هي إعادة بناء ثقافة الشك الصحي. أعني بالشك الصحي ألا نصدق كل ما يصل إلينا، بل نسأل أنفسنا دائمًا: هل هذه المعلومة منطقية؟ هل مصدرها موثوق؟ هل يمكنني التحقق منها؟ هذه الأسئلة الثلاثة لو صارت عادة يومية، أعتقد أن نصف المشكلة سينحل. ألاحظ أن الناس الذين يمتلكون هذه العقلية النقدية هم أقل تأثرًا بالشائعات، وأكثر قدرة على تمييز الحقيقة من الكذب.
الحل الثاني من وجهة نظري هو العودة إلى المصادر الأصلية الموثوقة. في زمن وفرة المعلومات، أصبحت المصادر الموثوقة كنزًا يجب أن نتمسك به. المؤسسات الرسمية، الهيئات العلمية، الخبراء المتخصصون، وسائل الإعلام الموثوقة التي تلتزم بمعايير المهنية. أرى أنه يجب علينا أن ندرب أنفسنا على التمييز بين هذه المصادر وغيرها، وأن نتعلم كيف نبحث عن المعلومة في مكانها الصحيح قبل أن ننشرها.
الحل الثالث يتعلق بالمسؤولية المجتمعية. أعتقد أن لكل منا دورًا في مكافحة الشائعات، ليس فقط بعدم نشرها، بل أيضًا بتصحيحها حين نراها. كم مرة رأيت معلومة خاطئة تنتشر في مجموعة عائلية أو بين الأصدقاء، وسكتُّ لأنني لا أريد أن أبدو متحذلقًا أو مثقفًا أكثر من اللازم؟ أرى الآن أن السكوت عن الخطأ هو مشاركة فيه، وأن تصحيح المعلومة بلطف وحكمة هو واجب أخلاقي قبل أن يكون اجتماعيًا. تصحيح المعلومة ليس هجومًا على الشخص، بل هو حماية للجميع من الوقوع في الخطأ.
أشعر أيضًا أن الحل يحتاج إلى توعية ممنهجة تبدأ من المدرسة. تعليم الأطفال والمراهقين كيفية التمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وكيفية التفكير النقدي، وكيفية مقاومة الاندفاع وراء العناوين المثيرة. هذا النوع من التربية الإعلامية غائب في كثير من مناهجنا التعليمية، وأرى أنه أصبح ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
أما على المستوى الشخصي، فقد بدأت بنفسي. وضعت قاعدة بسيطة: لا أنشر أي خبر أو معلومة إلا بعد أن أتحقق منها على الأقل من مصدرين مستقلين. هذه القاعدة بطيئة بعض الشيء، لكنها تحميني وتحمي الآخرين من خطأ غير مقصود. ألاحظ أن هذه الممارسة بدأت تتشرب في سلوكي اليومي، وأصبحت أشعر بالراحة النفسية لأنني أعلم أنني لست جزءًا من أزمة المعلومات المضللة.
ختامًا، أقول إن أزمة الشائعات والمصادر غير الحقيقية هي أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة معلومات. لقد فقدنا الثقة في كثير من المصادر، وفي المقابل أصبحنا نثق كثيرًا في مصادر غير جديرة بهذه الثقة. إعادة التوازن تحتاج إلى جهد فردي وجماعي، إلى تربية وصبر، إلى عقل نقدي وقلب متواضع. أرى أن الطريق طويل، لكن لا بد أن نبدأ خطوته الأولى اليوم، فغدًا سيكون أكثر ازدحامًا بالمعلومات، وأشد حاجة إلى العقول التي تعرف كيف تميز بين الحقيقة والوهم.
